لاند روفر ديفندر تنهي مسيرتها الأسطورية

 

لاند روفر ديفندر تصل إلى نهاية الطريق بعد سبعة وستين عاما من دخولها الإنتاج التجاري، وبعد إنتاج مليوني نسخة منها، نجحت في اجتياز الصحاري والغابات، وقهر أبرد المناطق وأحرها على الأرض، لتثبت اسمها كأسطورة حقيقية في عالم سيارات الدفع الرباعي

أروع القصص في عالمنا تبدأ بحلم، لتحقيق غاية أو تجسيد رؤيا. وقصة لاند روفر ديفندر الأسطورية العريقة، بدأت كغيرها من القصص التاريخية بداية متواضعة، تختلف تماما عن نهاية التي جعلت من هذه السيارة أسطورة تجوي أصقاع الأرض، من القطب المتجمد إلى الصحاري الحارقة، ومن غابات الأمازون إلى غابات الإسمنت في مدن العالم كافة. بدأت برؤيا، وحاجة إلى سيارة، وانتهت كأسطورة لا مثيل لها.

القصة بدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، في ذلك الوقت، كانت شركة روفر فعليا قد انتهت، مع تدمير مصنعها الرئيسي، وتحويل قدراتها الإنتاجية نحو الصناعات العسكرية وإنتاج الطائرات المقاتلة. ولكن مع انتهاء الحرب، وجد مسؤولو الشركة أنفسهم أمام تحد صعب، يتمثل في إنتاج سيارات يمكن تصديرها وبيعها بسهولة لتوفير السيولة النقدية المطلوبة لإنتاج السيارات الفاخرة مرة أخرى وتوفير العملة الصعبة التي كانت بريطانيا في حاجة ماسة إليها.

في ذلك الوقت، جلس موريس ويلكس، كبير مصممي روفر مع شقيقه سبنسر، المدير العام في شركة روفر، على شاطئ يسمى شاطئ “ريد وارف باي” في جزيرة أنجليسي في بريطانيا. موريس، والذي كان يفكر في صنع سيارة دفع رباعي تلبي احتياجاته للعمل الزراعي، كان قد جرب قيادة سيارات جيب خلال الحرب العالمية. ومتأثرا بتجربته، رسم على رمل الشاطئ المخطط الأولي ليراه شقيقه، ليكون ربما العرض الأولى الأبسط في تاريخ صناعة السيارات. ولكن التاريخ يكتب فعلا بطرق طريفة. وهكذا بدأ تطوير لاند روفر، الاسم الذي كان قد أطلقه عامل المزرعة، أيان فريزر، على سيارة روفر 12 المعدلة التي كان يقودها سبنسر في مزرعته في اسكتلندا!

لاند روفر ديفندر

النموذج الأولي كان فريدا. فقد بني على قاعدة سيارة جيب، مع محرك من سيارة روفر P3، ومقود مثبت في المنتصف (يبدو أن المكلارين F1 لم تكن الأولى التي تقدم بذا الشكل!). ولكن مع تطوير السيارة أكثر فأكثر، قررت روفر اعتماد وضعية تقليدية للمقاعد، والتركيز أكثر على النواحي العملية، عوضا عن قدرات جر المحراث (والتي كانت قد جرى اختبارها كآلة زراعية). موريس كان قد صمم نظام نقل حركة مميز ينقل القوة من مقدمة المحرك عبر علبة التروس إلى المحور الخلفي (PTO)، والذي أثبت جدارته في منح السيارة قدرات عالية على الطرق غير المعبدة، فتم اعتماده. النتيجة كانت سيارة أثقل من سيارات جيب، ولكنها أقوى وأسرع، مع أداء أفضل على مختلف أنواع الطرق.

لاند روفر ديفندر

وهكذا دخلت لاند روفر الإنتاج التجاري عام 1948. الشكل العام للسيارة كان بسيطا. ليس لأن التصميم وضع كذلك للنواحي الجمالية، ولكن كنتيجة لسعي موريس وروفر، لإنتاج السيارة بأعلى فعالية وأقل كلفة. فجسم السيارة الخارجي صنع من خليط الألمنيوم، ليس لأنه أخف وزنا من الحديد، ولكن لأن الحديد كان شحيحا بعد استخدامه المكثف في الإنتاج الحربي، أما الألمنيوم فكان متوفرا بكثرة. كذلك كانت سهولة التصنيع وتخفيض الكلفة وراء تصميم السيارة. فكانت القاعدة عبارة عن هيكل صندوقي بسيط تم لحم زواياه الأردعة، وجاءت أسطحها جميعا عبارة عن صفائح مسطحة من المعدن، مع انحناءات بسيطة بقطر ثابت. والسبب كان إمكانية صنع كل قطع الجسم الخارجي من صفيحة واحدة من الألمنيوم يمكن ثنيها بسهولة. أما الألوان المتوفرة، فاقتصرت على اللون الأخضر، فائض الجيش من الطلاء المستخدم في طلاء مقصورات الطائرات المقاتلة! لاند روفر كما عرفت ببساطة، دخلت الإنتاج التجاري عام 1984، وكانت الخطة أن يستمر إنتاجها لسنتين أو ثلاث فقط، ولكن هذا ربما هو الجزء الوحيد الذي لم ينجح في خطة روفر الأولية. إذ ظلت لاند روفر قيد الإنتاج لمدة 67 عاما.

من يرى لاند روفر ديفندر في جيلها الأول، والذي أصبح لاحقا يعرف باسم “السلسلة الأولى” أو (Series I) سيفاجأ حتما. فالسيارة كانت بسيطة إلى حد لا يمكنك أن تتخيله. فالقسم الأعلى من الأبواب والسقف كانا تجهيزات اختيارية، مع مقصورة يمكن وصفها بأنها متقشفة، خالية من أي تجهيزات. محرك السيارة القياسي كام من فئة 1.6 ليتر، بقوة متواضعة جدا لم تتجاوز 50 حصانا، مع علبة تروس من أربع نسب ونظام دفع رباعي غريب. إذ كان يحتوي نظام “العجلة الحرة” أو (Freewheel) والذي يقوم بفصل النظام عن المحور الأمامي عند رفع القدم عن دواسة الوقد، والذي تم استبداله لاحقا بنظام تقليدي عام 1950.

لاند روفر ديفندر

السيارة عرفت نجاحا كبيرا منذ إطلاقها، ومنذ اليوم الأول، أدركت روفر أن هناك من يطلب سيارة بهذه القدرات العالية، ولكن بفخامة أكبر. فكانت لاند روفر ستايشن واجن طراز 1949، والمزودة بمقصورة من صنع “تيكفورد”. نعم، إنه تيكفورد نفسها التي اشتهرت ببناء سيارات رولز-رويس، والتي وفرت مقصورة مبنية على قاعدة خشبية، تتسع لسبع ركاب. هذه السيارة صنفت كسيارة ركاب، عوضا عن كونها سيارة تجارية مثل سيارات لاند روفر العادية، مما جعلها معرضة للضرائب، على عكس سيارات لاند روفر القياسية التي كانت تصنف كسيارات زراعية. إلا أن استئنافا قدم بعد أن تمت مخالفة رجل لتجاوزه السرعة القانونية المخصصة للآلات الزراعية (48 كلم/س)، سمح لسيارات لاند روفر بأن تسجل، بحسب الاستخدام، كسيارات خاصة.

سريعا بدأت لاند روفر تعرف مجموعة من التحديثات التي أدخلت على مختلف طرازاتها. أولا مع محركات جديدة بسعة 2.0 ليتر وبقوة أكبر، ومن ثم مع قاعدتي عجلات مختلفتين، وتوفير فئة ستايشن واجن من إنتاج الشركة، إلى جانب توفير فئة بيك أب، وتوفير سقف صلب أخيرا للسيارة.

لاند روفر ديفندر

خلال عقد من إنتاجها، أثبتت لاند روفر أنها سيارة دفع رباعي عملية. ولكن بعد عشر سنوات على دخولها الخدمة، جاء الجيل الثاني من السيارة (Series II) ليكمل المسيرة، ولو لفترة وجيزة. إذ أن إنتاجها استمر لأربع سنوات فقط، ولكن عمليات التطوير التي خضعت لها السيارة كانت مفصلية في مسيرتها. فقاعدة العجلات باتت متوفرة بفئتين أطول من قبل، والمحركات باتت أقوى مع وصول محركي البنزين والديزل بسعة 2.25 ليتر، بقوة 72 حصان لمحرك البنزين. السيارة توفرت بمختلف الفئات السابقة، ولكنها أضافت فئة أخرى مع 12 راكب، لتصبح قانونيا مسجلة كباص صغير. هذا الأمر قد يبدو طريفا، ولكنه في بريطانيا كان يعني إعفاء من الرسوم الجمركية، والسماح للسيارة باستخدام مسار الباصات الخاص في المدن المزحمة. بل إن هذه الفئة ظلت قيد الإنتاج حتى في الأجيال التالية ولم بتم الاستغناء عنها سوى عام 2002.

ولكن الجيل الثاني، وتحديدا الفئة (Series IIA) والتي تم إنتاجها ما بين عامي 1961-1971، هي التي اكتسحت الأسواق العالمية. الجيل الثاني كان بداية اهتمام لاند روفر بتصميم السيارة وإعطائها لمسة “جمالية” إذا صح التعبير. فانتقلت الأضواء الأمامية إلى الجوانب، ومقصورة أحدث. كما تم إضافة محرك من ست اسطوانات متتالية إلى المحركات المتوفرة، بسعة 2.6 ليتر. مع هذا الطراز، وصلت لاند روفر إلى قمة شعبيتها، مع أكثر من 60,000 سيارة تباع منها خلال العام الواحد. ووصلت حصتها في بعض الأسواق العالمية إلى 90% من سوق سيارات الدفع الرباعي.

لاند روفر ديفندر

الجيل الثالث من لاند روفر، أو ما بعرف باسم (Series III) ظهر عام 1971. ومع أنه لم يختلف شكليا عن الجيل الثاني من لاند روفر، إذ استمر بنفس التصميم، باستثناء اعتماد فتحة هواء أمامية من البلاستيك بدل المعدن، إلا أن هذا الجيل عرف تغييرات كبيرة ميكانيكيا. إذ تم تحسين نظام التعليق ونقل الحركة، وخاصة في الخلف لتفادي مسألة كسر محاور نقل الحركة إلى العجلات، والتي كانت تحدث عن تحميل السيارة بشكل مفرط. كذلك تم إضافة فئات أكثر مدنية مع عزل للصوت ومقاعد قماشية مريحة وغيرها. إلا أن التغيير الأهم جاء عام 1979، حين تم تزويد السيارة بمحرك V8 ونظام نقل الحركة الرباعي الدائم من طراز وينج روفر في فئة أطلق عليها اسم “المرحلة الأولى”، أو (Stage 1). السبب؟ كانت المرحلة الأولى من الاستثمار المالي الذي قامت به الحكومة البريطانية لدعم الشركة في تطوير لاند روفر ورينج روفر.

لاند روفر ديفندر

هذا الدعم بدا واضحا مع تقديم طرازي 90 و110 عام 1983. الرقمان كانا يشيران إلى طول قاعدة العجلات بالإنش (علما أن طراز 90 بلغ طول قاعدته 92.9 إنش، ولكن رقم 90 يبدو أجمل!)، وتوفرت ببابين أو بأربعة أبواب. التغييرات خارجيا كانت محدودة، وأبرزها كانت المقدمة الجديدة التي باتت “كاملة” بدون قسم متراجع إلى الوراء، والانتفاخات فوق العجلات نتيجة اعتماد محاور أعرض. هذه المحاور كانت نتيجة تغييرات ميكانيكية وتجميلية مهمة. إذ تم الاستغناء عن التعليق التقليدي المكون من “نوابض ورقية” أو (Leaf Springs) لصالح نظام تعليثق حديث يعتمد النوابض الزنبركية (Coil Springs). كما تم اعتماد نظام دفع رباعي من طراز رينج روفر، مقصورة أكثر “مدنية”، بالإضافة إلى محركات حديثة أكثر.

لاند روفر ديفندر

ولكن التغيير الأكبر جاء عام 1990. إذ مع إطلاق طراز لاند روفر ديسكفري، بات لا بد من وجود اسم خاص لطراز لاند روفر، وبالتالي ظهرت لاند روفر ديفندر أو المدافع، كما يعني اسمها بالإنجليزية. ومع الاسم الجديد، بدأت لاند روفر تنقل ديفندر شيئا فشيئا من سيارة عملية للقيادة يف الظروف الصعبة، إلى سيارة لعشاق الإثارة والتحدي، تسمح لهم باجتياز المسافات الطويلة وتحدي مختلف أنواع التضاريس، فباتت لاند روفر ديفندر اسما يتصل بالاستكشاف والمغامرة والتحدي.

هذا الأمر ساعدها فيه محركاتها الجديدة المتوفرة للسيارة. فمع طراز ديفندر توفرت السيارة بمحركات متعددة. التركيز كان على محركات الديزل، ولكن محركات البنزين عرفت تطورا كبيرا أيضا. فتم تزويد السيارة بمحرك V8 بسعة 3.9 ليتر، وفي أسواق جنوب إفريقيا، تم تزويدها حتى بمحرك BMW والتي كانت تمتلك شركة روفر، والمكون من ست اسطوانات بسعة 2.8 ليتر.

لاند روفر ديفندر

إلا أن التغيير الأبرز على مدى السنوات كان في شخصية السيارة وموقعها في المنافسة. فمن سيارة عملية تصلح للاستخدام في الأراضي الزراعية، إلى سيارة تتمتع بشخصية تظهر روح المغامرة والاستكشاف، حتى باتت لاند روفر ديفندر أشبه ما يكون بتعبير اجتماعي، وسيارة تعبر عن مكانة اجتماعية. وبدأت الشركة تستغل هذا الأمر عبر إطلاق نسخ خاصة مختلفة من السيارة. بعضها كان فريدا من نوعه، كالنسخة الخاصة من بول سميث، أو النسخ الخاصة الاحتفالية، والتي تستذكر تاريخ السيارة العريق، وانتهاء بالنسخة الاحتفالية من لاند روفر ديفندر والتي أطلقتها الشركة احتفالا بإنتاج النسخة التي حملت الرقم ٢ مليون، والتي عرضت للبيع مؤخرا في المزاد العلني.

لاند روفر ديفندر

ولكن عام 2015 كان نقطة النهاية لمسيرة لاند روفر ديفندر الطويلة. فقد باتت قوانين السلامة والحفاظ على البيئة أقوى من أن تتماشى معها السيارة، وبذلك أعلنت لاند روفر أن مسيرتها قد وصلت إلى نهايتها، حيث سيتوقف إنتاجها خلال شهر فبراير من هذا العام. لاند روفر ستقدم قريبا بديلة ديفندر، والتي ستبدأ معها مسيرة جديدة كمجموعة من السيارات، تماما مثل مجموعج رينج روفر، تركز على الأداء العالي على الطرق غير المعبدة، وتتمتع بروح الشباب والمغامرة. ولكن مهما كانت مميزات لاند روفر ديفندر الجديدة، فمن الصعب أن نتخيل أن تمتد مسيرتها لأكثر من ستين عاما. أو أن يكون مصممها قد خط خطوطها الأولى على رمال شاطئ في شمال إنجلترا.

GAP

شاهد صور لاند روفر ديفندر التاريخية على مدى أجيالها

 

أخبار ذات علاقة

تصنيفات: سيارات كلاسيكية

وسوم: ، ، ، ،

أسعار ومواصفات طرازات لاند روفر

شاركنا رأيك